عبد الملك الجويني

221

نهاية المطلب في دراية المذهب

فصل 945 - إذا كان بالإنسان رمدٌ متمكن مؤلمٌ مؤذٍ ، فقال من يوثق به : لو اضطجعت أياماً ، وعولجت ، برَأت ، فهل يصلي مضطجعة لهذا العذر ؟ قال العراقيون : هذه المسألة ليست منصوصة للشافعي ، وللعلماء فيها اختلاف ، ونقلوا خلاف العلماء في جواز ذلك ، ثم قالوا : وما يقتضيه أصل الشافعي أنه لا يجوز الاضطجاع لهذا ، واستدلوا بما روي أنه لما قرب ابن عباس من العمى ، قال له بعض الأطباء : لو صبرت سبعةَ أيامٍ مضطجعاً ، وعالجتُك برَأت عينُك ، فاستفتى ابنُ عباس رضي الله عنه عائشةَ وأبا هريرة ، فلم يرخّصا له في ذلك ، وكُفَّ بصرُه ( 1 ) . قلت : إذا لم يكن للشافعي في ذلك نص ، وقد نقلوا في ذلك خلاف العلماء ، فالمسألة محتملة ، وفساد البصر شديد ، وتكليف المصلي ما يغلب على الظن منه عماه بعيد ، وما ذكروه من حديث ابن عباس واستفتائه تعلقٌ بمذهب آحادٍ من الصحابة ، وهو حكاية حال ، فلعلهم لم يثقوا بقول الطبيب ، ورأَوْا الأمرَ شديداً ، والعلاجَ غيرَ مجد ، والله أعلم . ثم إن قال قائل : القيامُ في نفسه مقدور عليه ، وليس في عينه عجزٌ ؟ قيل : إيصال الماء إلى محل الجروح ممكن ، ولكن مخوفُ العاقبة ( 2 ) ، ثم إن صح ما قاله

--> ( 1 ) هذا الأثر عن ابن عباس رواه البيهقي ، وفيه أنه سأل عائشة ، وأم سلمة ، وقد علق عليه النووي في المجموع قائلاً : رواه البيهقي بإسنادين أحدهما صحيح ، والآخر ضعيف ، ثم تعقب روايتنا هذه قائلاً : " وقع عند الغزالي في الوسيط : أن ابن عباس استفتى عائشة ، وأبا هريرة ، وهو باطل فلا أصل لذكر أبي هريرة " ا . ه - . وقد تبع النوويُّ ابنَ الصلاح في إنكاره على الغزالي ، والحق مع إمام الحرمين وتلميذه الغزالي ، فقد قال الحافظ " فأما استفتاؤه لأبي هريرة ، فأخرجه ابن أبي شيبة ، وابن المنذر " ا . ه - . ( ر . السنن الكبرى : 2 / 309 ، والتلخيص : 1 / 228 ح 339 ، ومشكل الوسيط لابن الصلاح والتنقيح للنووي - بهامش الوسيط : 2 / 108 ، 109 ) . ( 2 ) المعنى أنه كما يجوز التيمم مع وجود الماء وإمكان إيصاله إلى محل الجروح ؛ خوفاً من العاقبة وفساد الجرح ، فيجوز الاضطجاع مع القدرة على القيام إذا كان القيام مخوف العاقبة .